الشيخ محمد الجواهري
32
الواضح في شرح العروة الوثقى ( الحج )
--> بخمس دقائق فإن اللازم تبعض هذه الليلة حتّى في بلد الرؤية ، فيكون قسمٌ منها داخلاً في الشهر السابق والقسم الآخر داخلاً في الشهر اللاحق ، أو أن ابتداء الشهر فيها قبل قابلية الهلال للرؤية في أي مكان في الأرض ، وكلا الأمرين - على فرض البعد - بعيد عن المرتكزات العرفية ، فإن هذا الإشكال مبتنِ على أن أول الشهر هو لحظة رؤية الهلال ، وهو لا يمكن الالتزام به لا في بلد الرؤية ولا في البلدان التي تقع لا غرب بلد الرؤية ولا شرقه أيضاً . فعلى فرض صحة الإشكال فهو عام ، وهو غير صحيح كما عرفت . وأما الحل فعلم مما سبق من أن رؤية الهلال وإن كانت بعد المغرب فالمعروف عند المتشرعة أن هذه الليلة من أولها هي ليلة أول الشهر ، وليس الملاك هو لحظة رؤية الهلال ، بل رؤيته الكاشفة عن خروجه من المحاق ومن تحت شعاع الشمس حتّى لو كانت لحظة رؤيته قبل انتهاء الليل بقليل بالنسبة إلى البلاد الواقعة شرق بلد الرؤية مع اتحادهما بجزء من الليل ، بل وكذا من كان بلد الرؤية شرقه مع فرض اتحادهما في جزء من الليل . نعم لو كان البلد الواقع غرب بلد الرؤية من لحظة رؤية الهلال أي من أول الليل إلى انتهاء الليل فيه ليس هو في الليل ، بل كان عنده هذا الزمان كله نهار ، فالليلة الآتية له هي ليلة أوّل الشهر عنده ، ولا يكون يومه الذي هو فيه أول الشهر . ثم إنه لو فرض أن شيئاً قد قام الدليل عليه من الكتاب أو السنّة أو الاجماع أو العقل وكان خلاف المرتكزات العرفية ، فهل كونه على خلاف المرتكزات العرفية مانع من الأخذ به ، فلابد حينئذ من تقييد الأدلة الدالة على الأحكام الشرعية بان لا تكون على خلاف المرتكزات العرفية ، على أنه تقدم ان الدليل على المرتكزات العرفية الذي هو الملاك في عدم صحة مخالفتها هو الدليل على أن الهلال إذا رؤي في بلد ما أو كان قابلاً للرؤية فهو مقتض لدخول الشهر الجديد لجميع بقاع الأرض ، لا أنه ينافيها . الشاهد الثالث الذي ذكره البعض : هو « ان مقتضى كون العبرة في دخول الشهر الجديد في بلد المكلف برؤية الهلال ولو في بلد آخر بعيداً عنه جداً هو أن صيام النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) وفطرهم وحجهم وسائر أعمالهم التي لها أيام محددة في الأشهر القمرية لم تكن تقع في كثير من الحالات في أيامها الحقيقية ، لوضوح أنهم ( عليهم السلام ) كانوا يعتمدون في تعيين بدايات الأشهر الهلالية على الرؤية في بلدانهم أو البلدان القريبة منها ، مع أن في كثير من تلك الشهور كانت الرؤية متيسرة في الليلة السابقة في بعض الأماكن البعيدة جداً ، كما يعرف ذلك بمراجعة البرامج الكمبيوترية الحديثة التي تبين أوضاع القمر لآلاف السنين الماضية والآتية ، أي إنه في حالات غير قليلة كان هلال شوال - مثلاً - قابلاً للرؤية في استراليا أو جنوب أفريقا أو إمريكا الجنوبية في ليلة السبت مثلاً ، ولكنه لما لم يكن قابلاً للرؤية في المدينة المنورة أو العراق في تلك الليلة - كما يحدث مثله في زماننا كثيراً - كان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أو الإمام ( عليه السلام ) يصوم ذلك اليوم ، مع أنه في واقع الحال كان عيد الفطر الذي لا يشرع فيه الصوم في حقه ، وهذا بعيد في حدّ ذاته ، ويزيده بعداً أنهم ( عليهم السلام ) لم يكن ينقصهم العلم بما يعرف به وضع الهلال في الأماكن الأخرى ، لأنه لا يتوقف إلا على اجراء محاسبة علمية دقيقة للتوصل إلى درجة ارتفاع الهلال على الأفق ومقدار بعده الزاوي عن الشمسي ونسبة القسم المنار إلى أكبر قطر يبلغه القرص ، وهذه المحاسبة لم تكن بعيدة عن معرفة أهل الحساب من العرب وغيرهم حتّى في عصرهم ( عليهم السلام ) فمتى علم أن الهلال سيكون في استراليا مثلاً بارتفاع اثنتي عشرة درجة ، وبعيداً عن الشمس بمقدار ثماني درجات وتبلغ قسمة القسم المنار ( 3 % ) مثلاً ، يقطع عندئذ بكونه قابلاً للرؤية بالعين